الذهبي
270
سير أعلام النبلاء
الملوك ، فغزر علمه ، ودق نظره ، وكان له يد بيضاء في معرفة الرجال والأنساب ، والاخبار ، وقلما تجد له كتابا إلا وله فيه قراءة أو نظر ، من أي فن كان . ويكتب فيه نسب المؤلف ، ومولده ووفاته ، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد . ومن محاسنه أنه شدد من مملكته في إبطال الخمور تشديدا عظيما . وكان أخوه الأمير عبد الله المعروف بالولد ، على أنموذجه في محبة العلم ، فقتل في أيام أبيه . وكان المستنصر موثقا فيما ينقله . ذكره ابن الأبار في تاريخه . وقال : عجبا لابن الفرضي ، وابن بشكوال ، كيف لم يذكراه . مولده في سنة اثنتين وثلاث مئة . قال اليسع بن حزم : كان الحكم عالما ، راوية للحديث ، فطنا ، ورعا . وفد عليه أبو علي القاضي ، وأبو علي الزبيدي ، وغيرهما . ولما توفي القاضي منذر بن سعيد استعمل على القضاء الفقيه ابن بشير ، فشرط عليه نفوذ الحق والعدل ، فرفع إليه تاجر أنه ضاعت له جارية صغيرة ، وأنها في القصر ، فانتهى الامر إلى الحكم ، فقال الحكم : نرضي هذا التاجر بكل ما عسى أن يرضى به ، فقال ابن بشير : لا يكمل عدلك حتى تنصف من نفسك ، وهذا قد ادعى أمرا ، فلابد من إحضارها ، وشهادة الشهود على عينها ، فأحضرها الحكم ، وأنصف التاجر . وفي دولة الحكم همت الروم بأخذ مواضع من الثغور ، فقواها بالمال والجيوش ، وغزا بنفسه ، وزاد في القطيعة على الروم ، وأذلهم .